فوزي آل سيف
8
فقه العلاقات الاجتماعية
وربما نجد هذه الفكرة واضحة في المسلسلات والأفلام المنتجة في المنطقة العربية حيث يتلخص دور الدين ، وما يرتبط به من تعاليم وقوانين ، ومن يرتبط به من علماء وخبراء ، في حدود ضيقة لا تتجاوز عقد المأذون في الزواج ، قراءة القرآن في الفواتح ، وتلقين المحتضرين والصلاة على الجنائز.. وهكذا ، بل إننا وجدنا أن قسماً من المتدينين لا يخرجون عن هذا الفهم للدين فهم يقومون بما يقومون به من أمور عبادية وغيرها ، إنما لأجل تحصيل الآخرة والفوز بالثواب ليس إلاّ .. النظرية الثانية : هي التي تقضي بأن الدين في الأساس هو برنامج دنيوي للحصول على السعادة الأخروية، وهو منهاج يتم القيام به في هذه الدنيا لكي يحصل الإنسان على سعادة الدارين ، فهو يحيا في هذه الدنيا سعيدا من خلال منهاج يؤمن له لذته وشهوات نفسه ، ويحيا في مجتمعه منسجما ضمن قانون يحمي حقوقه ،ويشجعه لاعمار الأرض وبناء الحياة فيها ، ويضمن له إضافة إلى ذلك ( َجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[33] . إن وظيفة الإنسان بناء على هذه النظرية في الحياة هي أن يعمرها كما في قول الله عز وجل (( يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرض وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا )[34]،بناء على أحد تفسيري الآية المباركة . وكما ورد في الكثير من الروايات التي تنتهي إلى معنى[35] أن الدنيا هي مزرعة الآخرة .. ولا شك أن المزرعة تحتاج إلى بذور ووسائل استنبات ونظرية لزراعة هذه الأرض، كما تحتاج إلى تنظيم، وسقي وأن يكون ذلك بنحو متعادل بحيث لو زاد الماء وهو ما و تحتاج لتشذيب وتحتاج لبرنامج أيضاً لأن بعض الأشجار لو زاد الماء ـ وهو ما فيه حياتها ـ عن الحد المقرر فإنها تموت. نعم توجد روايات تفيد أن الدنيا قنطرة ، فاعبروها ولا تعمروها ، إلا أن مثل هذا الحديث منقول عن المسيح عيسى بن مريم مخاطبا للحواريين كما نسبه إليه الشيخ الصدوق[36] . مما يوحي بجو هذا الحديث . وهو وإن كان قد ورد في كلمات أئمة أهل البيت كزين العابدين عليه السلام إلا أنه ليس المقصود منه ما هو الظاهر منه ، من أنه ينبغي الانصراف عن الدنيا ، وإنما غاية ما يفيده أنه لا ينبغي العمل فيها للبقاء فيها ، وعبادتها كما يحصل من قبل بعض الناس . وبناء على هذا فإن هذه النظرية ( الثانية ) ترى أن الدين يبدأ مع الإنسان ليس من يوم مماته وإنما من يوم ميلاده . بل إنه يمكن القول إن التوجيهات الأخلاقية المؤثرة في حياته لتبدأ من قبل ميلاده ، عندما يوجه الدين الأبوين إلى حزمة من الآداب والأخلاق سيكون لها أثر في مستقبل الوليد . وإذا كان الأمر بالنسبة إلى بقية الرسالات والديانات قد يشوبه شيء من الغموض في هذه الجهات ، فإنه بالنسبة للدين الإسلامي واضح ، ذلك أن من غايات هذا الدين بناء الأمة والحضارة ، وهذه المهمة تحتاج بلا ريب للبرنامج . مثلث العقيدة والشريعة والنظام : عندما يتحدث القرآن الكريم عن رسالات الأنبياء السابقين فإنه في نفس الوقت الذي يتكلم عن الجانب العقدي في دعوة أولئك الرسل ، لابد أن يوجه إلى أمر اجتماعي فاسد يراد إصلاحه ، فها هو يتحدث عن قوم مدين في ذلك الوقت (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ
--> 33 ) سورة آل عمران: من الآية 133 34 ) سورة هود: من الآية 61 35 ) أنكر البعض وجود هذا الحديث بهذا اللفظ كما في كشف الخفاء للعجلوني ناقلا الإنكار عن المقاصد . 36 ) الخصال /65